روسيا تحاول تعمية ستارلينك… وأوكرانيا تطارد أسلحة التشويش السرية في ساحة معركة عالية التقنية
كييف / ميليتوبول / موسكو –
لم يستغرق الانفجار سوى ثوانٍ.
طائرة مسيّرة هبطت من سماء الصيف بصمت قاتل ودقة جراحية، قبل أن ترتطم بصف من المقطورات البيضاء المصطفة في جنوب أوكرانيا المحتل.
ثم جاء الوميض.
نار.
دخان.
معدن يلتوي تحت الحرارة.
وخلال لحظات، كان أحد أكثر أنظمة الحرب الإلكترونية الروسية سرية يحترق بالكامل.
لكن هذه لم تكن ضربة عسكرية تقليدية.
وفقًا لخبراء أوكرانيين في الحرب الإلكترونية، كان الهدف منظومة روسية متطورة صُممت لمهمة واحدة فقط:
إسقاط ستارلينك.
وفي الحروب الحديثة، قد يصبح تدمير الاتصالات حاسمًا بقدر تدمير الدبابات.
الحرب في أوكرانيا لم تعد تُخاض بالمدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة فقط.
لقد انتقلت إلى المدار.
معركة فوق ساحة المعركة
منذ أن فعّلت شركة SpaceX خدمة Starlink فوق أوكرانيا في فبراير ٢٠٢٢، أصبحت الشبكة الفضائية أحد أهم الأصول العسكرية لكييف.
أطباق ستارلينك تمنح الوحدات الأوكرانية القدرة على التواصل الفوري، وتنسيق نيران المدفعية، وبث لقطات الطائرات المسيّرة، والحفاظ على الإنترنت الميداني حتى عند تدمير البنية التحتية الأرضية.
عمليًا، منحت القوات الأوكرانية شيئًا لا يُقدّر بثمن:
الاتصال من أي مكان.
مشغّل مسيّرة داخل غابة.
فريق مدفعية قرب الجبهة.
مركز قيادة داخل ملجأ محصّن.
جميعهم قادرون على البقاء متصلين خلال دقائق.
ويرى محللون عسكريون أن ستارلينك لعب دورًا محوريًا في تحديث منظومات القيادة والسيطرة الأوكرانية وتسريع اتخاذ القرار في أرض المعركة بشكل غير مسبوق.
وهذا فرض حقيقة لا مفر منها.
كان على روسيا إيجاد طريقة لإيقافه.
السلاح الروسي الجديد: “تعمية القمر الصناعي”
لقطات حديثة التقطتها طائرات مسيّرة وتداولتها أوساط الدفاع الأوكرانية، يُعتقد أنها توثق تدمير مجمع روسي للحرب الإلكترونية يُعرف باسم “فولنا كوبول غارانت”.
وبحسب الخبير الأوكراني سيرهي بيسكريستنوف، المعروف بالاسم الحركي “فلاش”، يتكون النظام من ست وحدات بحجم مقطورة، تحتوي كل واحدة منها على هوائيات متخصصة صُممت لمهاجمة ستارلينك من الأرض.
وخلافًا لأجهزة التشويش التقليدية التي تعطل الاتصالات اللاسلكية بين الجنود أو الطائرات المسيّرة، فإن هذا النظام يستهدف شيئًا أكثر طموحًا بكثير:
القمر الصناعي نفسه.
الفكرة تبدو شبه سينمائية.
يبث النظام إشارات تشويش هائلة نحو الفضاء، فيغمر القمر الصناعي بضوضاء إلكترونية كثيفة.
تخيل أنك تحاول سماع همسة…
بينما شخص ما يصرخ داخل أذنك بأعلى صوت ممكن.
هذه هي الفكرة.
إذا كانت الإشارة المهاجمة قوية بما يكفي، يصبح القمر الصناعي عاجزًا عن التمييز بين الإشارات الحقيقية القادمة من محطات ستارلينك الأرضية وبين الضجيج المصطنع.
نظريًا، ينقطع الاتصال.
لكن عمليًا…
الأمر أصعب بكثير.
لماذا يصعب التشويش على ستارلينك؟
يقول خبراء الحرب الإلكترونية إن روسيا تواجه مشكلة قاسية تحكمها الفيزياء.
ستارلينك ليس قمرًا صناعيًا واحدًا.
إنه كوكبة فضائية متحركة تضم أكثر من ١٠٫٠٠٠ قمر صناعي في مدار أرضي منخفض، على ارتفاع يقارب ٥٠٠ كيلومتر فوق سطح الأرض.
الإشارات تنتقل بسرعة من قمر إلى آخر.
وهذا يخلق كابوسًا لأي جهة تحاول تعطيل الشبكة.
لنجاح عملية التشويش، يجب على المهاجم أن:
- يحدد القمر الصناعي الذي يخدم المحطة الأرضية حاليًا
- يتعقبه لحظة بلحظة
- يوجّه شعاع التشويش نحوه بدقة شبه مطلقة
- يحافظ على قدرة إرسال أعلى من الإشارة الأصلية
- يكرر العملية باستمرار مع حركة الأقمار
خطأ واحد فقط…
ويبقى الاتصال قائمًا.
ويقول توماس ويذينغتون من Royal United Services Institute إن التحدي هائل.
شعاع الاتصال بين القمر الصناعي وجهاز ستارلينك ضيق للغاية.
وهذا يعني أن جهاز التشويش يحتاج إلى محاذاة شبه مثالية.
وفي ظروف الحرب، تحقيق هذه الدقة بالغ الصعوبة.
والأسوأ بالنسبة لروسيا:
كلما اقترب جهاز التشويش من الأهداف الأوكرانية…
أصبح اكتشافه وتدميره أسهل.
وهذا ما حدث في ميليتوبول.
أوكرانيا تضرب في العمق
قد تكون هذه النقطة هي نقطة الضعف الأخطر لدى روسيا.
فالإشارات نفسها التي يحتاجها جهاز التشويش لتعطيل ستارلينك قد تكشف موقعه.
أنظمة الحرب الإلكترونية الضخمة تطلق انبعاثات قوية.
وتولد بصمات حرارية واضحة.
كما تحتاج إلى مولدات كهربائية أو مصادر طاقة مخصصة.
باختصار:
إنها تضيء في ساحة المعركة.
وهذا يجعلها أهدافًا مثالية للمسيّرات والصواريخ والعمليات الخاصة.
وبحسب مصادر أوكرانية، تم رصد ما يصل إلى ١٢ نظامًا مماثلًا خلال الأسابيع الأخيرة، كثير منها نُشر قرب ممرات الإمداد والبنى التحتية الحساسة.
تبدو هذه المواقع كأنها مظلات إلكترونية دفاعية تحمي الأصول الروسية عالية القيمة.
لكن هناك معضلة كبيرة.
كلما نشرت روسيا مزيدًا من هذه الأنظمة…
صنعت أهدافًا إضافية لأوكرانيا.
اقتصاد حرب الإشارات
حتى لو نجحت التقنية، تظل الكلفة عائقًا كبيرًا.
سعر كل وحدة من منظومة فولنا كوبول غارانت يُقدّر بنحو ١٫٥ مليون دولار.
ووفق تقارير روسية، فإن كل منظومة لا تحمي سوى مساحة تبلغ نحو ٢٠ كيلومترًا مربعًا.
وهنا تظهر المعادلة القاسية.
حماية مستودع واحد؟
ممكن.
حماية جبهة كاملة تمتد لأكثر من ألف كيلومتر؟
شبه مستحيل.
ويرى محللو الأمن الفضائي أن روسيا مضطرة لاختيار مواقع النشر بعناية شديدة.
حماية كل مركز قيادة وكل خط إمداد ستتطلب موارد مالية وصناعية هائلة، في وقت تستنزف فيه الحرب الاقتصاد الروسي.
وفوق ذلك كله…
كل عملية نشر تعني احتمال ضربة جديدة.
وقد يتحول جهاز التشويش بسرعة إلى كومة خردة باهظة الثمن.
شبكة إيلون ماسك تتكيف
تزداد معضلة روسيا تعقيدًا بسبب التحديثات البرمجية المستمرة التي تطورها Elon Musk عبر SpaceX .
في بدايات الحرب، أشارت تقارير إلى أن محاولات التشويش الروسية أثرت مؤقتًا على بعض محطات ستارلينك.
لكن تحديثات البرمجيات عززت صلابة الشبكة بسرعة.
تم تحسين معالجة الإشارات.
تعززت مقاومة التشويش.
انخفض الاعتماد على GPS .
وأصبحت المحطات أكثر ذكاءً في تبديل الأقمار الصناعية.
أطباق ستارلينك الحديثة قادرة على إعادة توجيه الاتصال تلقائيًا نحو أقمار احتياطية إذا رُصد تدهور في الإشارة.
ما يعني أن التشويش الجزئي قد لا يسبب سوى اضطراب مؤقت.
الشبكة تُصلح نفسها بنفسها.
وهذا ما يربك المخططين الروس.
حرب تنتقل إلى الفضاء
هذه المواجهة تعكس تحولًا أكبر بكثير.
أوكرانيا لا تدافع عن الأرض فقط.
وروسيا لا تهاجم البنية التحتية فقط.
الطرفان يتصارعان الآن على السيطرة على أنظمة غير مرئية تشكل مستقبل الحروب الحديثة:
الإشارات.
عرض النطاق.
المدار.
البيانات.
المعركة الحاسمة القادمة قد لا تُحسم بالدبابات.
قد تُحسم بمن يسيطر على الطيف الكهرومغناطيسي.
موسكو تدرك ذلك جيدًا.
ولهذا تستمر محاولاتها لتعطيل ستارلينك رغم الإخفاقات المتكررة.
لكن المحللين لا يزالون متشككين في امتلاك روسيا لسلاح يغيّر قواعد اللعبة.
لا تزال هناك فجوة هائلة بين الرغبة في تعطيل ستارلينك…
والقدرة الفعلية على فعل ذلك.
الإشارة ما زالت حيّة
حتى الآن، لا يزال Starlink يعمل عبر معظم أنحاء أوكرانيا.
المسيّرات ما زالت تحلّق.
الوحدات ما زالت تنسّق.
بث الفيديو من الجبهة ما زال مستمرًا.
والأوامر ما زالت تنتقل بسرعة رقمية.
قد تمتلك روسيا أدوات حرب إلكترونية أكثر تطورًا يومًا بعد يوم.
لكن حتى الآن، ما تزال الكوكبة الفضائية فوق أوكرانيا صامدة بعناد.
وطالما بقيت الإشارة حيّة…
يبقى أحد أهم التفوقات التكنولوجية لكييف قائمًا.
المعركة من أجل أوكرانيا تُخاض في الخنادق والمدن والسماء.
لكن النصر قد يتوقف في النهاية على شيء لا يستطيع أي جندي لمسه.
خيط غير مرئي من البيانات يندفع عبر الفضاء.
ومن يقطع هذا الخيط أولًا… قد يرسم شكل حروب المستقبل.







