حين يسأل العالم الذكاء الاصطناعي عن وطنك… من كتب له الإجابة؟
حين يسأل العالم الذكاء الاصطناعي عن لبنان… من يكتب صورة الوطن؟
لم تعد المعركة على صورة الدول تجري فقط في الصحف وشاشات التلفزيون ومنصات التواصل. انتقلت إلى مكان أكثر هدوءاً… وأكثر تأثيراً: إجابة الذكاء الاصطناعي.
تخيّل مستثمراً في آسيا يفتح ChatGPT أو Google ويكتب: هل لبنان بلد مناسب للاستثمار؟
أو طالباً في أوروبا يسأل: ماذا تعرف عن لبنان؟
أو صحافياً أجنبياً يبحث عن دور لبنان في أزمة إقليمية، أو عن اقتصاده، أو قطاعه المصرفي، أو جامعاته، أو سياحته، أو تاريخه.
قبل سنوات، كان سيحصل على صفحة طويلة من الروابط، ثم يبدأ رحلة البحث بين الصحف والمواقع الرسمية والدراسات والموسوعات.
اليوم، قد يحصل على إجابة واحدة جاهزة.
وهنا تبدأ المعركة الجديدة.
ليس فقط: من يروي قصة الوطن؟
بل:
من كتب المعلومات التي ستبني الآلة منها تلك القصة؟
من Google إلى الإجابة الجاهزة
التحول ليس نظرياً.
بيانات Similarweb أظهرت أن الأسئلة المتعلقة بالأخبار على ChatGPT ارتفعت ٢١٢٪ بين كانون الثاني/يناير ٢٠٢٤ وأيار/مايو ٢٠٢٥، في وقت تراجعت فيه عمليات البحث الإخبارية التقليدية على Google بنحو ٥٪ . وفي الفترة نفسها، ارتفعت نسبة عمليات البحث الإخبارية التي لا تنتهي بنقرة إلى موقع إخباري من ٥٦٪ إلى قرابة ٦٩٪ بعد انتشار أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. كما تراجع حجم الزيارات العضوية إلى المواقع الإخبارية من أكثر من 2.3 مليار زيارة في ذروة ٢٠٢٤ إلى أقل من ١٫٧ مليار وفق بيانات الدراسة.
لكن الصورة الأكثر أهمية ظهرت لاحقاً.
في ٢٠٢٦، لم يعد الأمر مجرد انتقال من “البحث” إلى “الدردشة”. لقد أصبحت محركات البحث نفسها أكثر اعتماداً على الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير بيانات Reuters Institute Digital News Report 2026 إلى أن حركة Google العضوية إلى أكثر من 2500 موقع إخباري حول العالم انخفضت بنحو ٣٣٪ بين تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٤ وتشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥، وبنحو ٣٨٪ في الولايات المتحدة. ويتوقع الناشرون الذين شملهم التقرير أن تتراجع حركة البحث القادمة من محركات البحث بنحو ٤٣٪ خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وفي فرنسا، أثارت تجربة Google AI Overviews مخاوف جديدة لدى المؤسسات الإعلامية، مع تقارير تشير إلى انخفاض شديد في معدلات النقر على المصادر الأصلية عندما يحصل المستخدم على ملخص مباشر داخل صفحة البحث.
المعنى بسيط وخطير في آن واحد:
المستخدم لا يحتاج دائماً إلى زيارة المقال الذي كتب المعلومة.
قد يكتفي بالإجابة التي صنعتها الآلة.
وهنا تولد “المعركة على ذاكرة الآلة“
الذكاء الاصطناعي لا يملك بالضرورة “كتاباً سرياً” عن كل دولة.
الإجابة التي يحصل عليها المستخدم يمكن أن تتشكل من خليط من الأخبار، والمواقع الرسمية، والدراسات، والموسوعات، والصفحات المتخصصة، والمصادر التي تسترجعها أنظمة البحث، وغيرها.
وهذا يعني أن الحضور الرقمي للمعلومة أصبح جزءاً من قوتها الاستراتيجية.
إذا كانت دولة ما تنتج مشاريع ضخمة، وتقدم مساعدات، وتستضيف مؤتمرات، وتمتلك جامعات وشركات وقطاعاً سياحياً وثقافياً نشطاً، لكن معلوماتها الرقمية غير منظمة، أو متاحة بلغة واحدة، أو موزعة بين صفحات يصعب العثور عليها، فإن جزءاً من هذه القصة قد لا يصل بسهولة إلى أنظمة البحث والذكاء الاصطناعي.
في المقابل، إذا كان الطرف الآخر أكثر نشاطاً في نشر المعلومات، وإنتاج الدراسات، وتحديث المواقع، وتوثيق الأحداث، وربطها بمصادر مستقلة، فإن حضوره في “المشهد المعرفي” يصبح أكبر.
وهنا تتحول المعركة من معركة انتشار إلى معركة قابلية للاكتشاف والاستشهاد.
الـSEO لم يعد وحده كافياً
لسنوات، كان السؤال بالنسبة إلى المؤسسات:
كيف أظهر في الصفحة الأولى من Google ؟
أما السؤال الجديد فأصبح:
كيف أصبح مصدراً تستشهد به أنظمة الذكاء الاصطناعي؟
هذا التحول أنشأ مجالاً جديداً يعرف باسم Generative Engine Optimization — GEO أو تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي.
وفي آب/أغسطس ٢٠٢٦، أصبح GEO صناعة متنامية بحد ذاته، مع أدوات تقيس كيفية ظهور المؤسسات والعلامات التجارية داخل إجابات ChatGPT و Google AI Overviews و Google AI Mode و Perplexity وGemini وغيرها.
لكن هناك درساً مهماً هنا:
لا توجد وصفة سحرية تضمن أن تذكر الآلة دولة أو مؤسسة أو صحيفة.
بل إن سلوك أنظمة الذكاء الاصطناعي يتغير بسرعة.
فقد أظهرت بيانات حديثة أن حصة Reddit من الاستشهادات في إجابات ChatGPT تراجعت بشدة خلال فترة قصيرة في تموز/يوليو وآب/أغسطس ٢٠٢٦، في مثال واضح على مدى تقلب منظومة المصادر التي تعتمد عليها محركات الإجابة.
أي أن ما ينجح اليوم قد لا ينجح غداً.
الخبر القديم قد يصبح ذاكرة دولة
وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية بالنسبة إلى الدول الصغيرة، ومنها لبنان.
قد يبدو خبر عن مشروع اقتصادي أو اكتشاف أثري أو مبادرة إنسانية أو إنجاز جامعي محدود الأهمية لحظة نشره.
لكن بعد خمس أو عشر سنوات، قد يصبح هذا الخبر جزءاً من إجابة نموذج ذكاء اصطناعي عن البلد.
المشكلة أن الآلة لا تعرف قيمة الحدث كما يعرفها أهله.
إذا لم يكن الحدث موثقاً، ومؤرخاً، ومتاحاً رقمياً، ومدعوماً بمصادر متعددة، فقد يصبح حضوره ضعيفاً عندما تبحث الآلة عنه.
ومن هنا يصبح الأرشيف الصحافي أكثر من مجرد ذاكرة للمؤسسة.
إنه، عملياً، جزء من البنية المعرفية التي قد تستخدمها الآلة لفهم البلد.
لماذا دخلت وكالات الأنباء في قلب المعركة؟
المؤسسات الإعلامية الكبرى أدركت مبكراً أن المحتوى الصحافي أصبح ذا قيمة جديدة.
فقد أبرمت شركات الذكاء الاصطناعي اتفاقيات مع مؤسسات مثل Associated Press و Financial Times و Le Monde و News Corp وغيرها.
فقد حصل OpenAI على ترخيص من Associated Press، بينما أبرمت Financial Times اتفاقاً يتيح استخدام أرشيفها، كما وقعت News Corp اتفاقاً متعدد السنوات شمل محتوى منشورات مثل The Wall Street Journal وNew York Post .
وفي أيار/مايو ٢٠٢٥، أعلنت Le Monde اتفاقاً مع Perplexity يركز على استخدام محتواها في تقديم الإجابات مع الإشارة إلى المصادر، بالتوازي مع اتفاقها السابق مع OpenAI .
أما في ٢٠٢٦، فقد انتقلت المسألة إلى مستوى أكثر حساسية: هل ستصبح اتفاقيات الترخيص عاملاً يؤثر حتى في مقدار ظهور الناشر داخل إجابات الذكاء الاصطناعي؟
دراسة حديثة أعلنتها Press Ranger و OtterlyAI، شملت أكثر من ١٢٩ مليون استشهاد عبر سبع منصات للبحث بالذكاء الاصطناعي، قالت إن الناشرين الذين لديهم اتفاقيات مع OpenAI حصلوا في العينة على استشهادات أكثر بنسبة ٤٨٪. لكن هذه النتيجة صادرة عن جهات تجارية تعمل في مجال التوزيع والظهور في الذكاء الاصطناعي، ولذلك ينبغي التعامل معها كمؤشر بحثي لا كإثبات سببي بأن الترخيص وحده يرفع ترتيب المصادر.
وهذه نقطة جوهرية:
الترخيص لا يعني تلقائياً الظهور، والظهور لا يعني تلقائياً التأثير.
لكن الاتجاه العام واضح: المحتوى الموثوق أصبح مورداً استراتيجياً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
الوجه الآخر: الآلة قد تعيد إنتاج الخطأ
المشكلة لا تتعلق فقط بمن يظهر.
بل أيضاً بما يظهر.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تلخيص عشرات المصادر خلال ثوانٍ، لكنه قد يخلط بين المعلومات، أو يكرر خطأً موجوداً في أكثر من موقع، أو يعطي حدثاً قديماً سياقاً جديداً، أو يبالغ في الثقة بإجابة غير دقيقة.
وهذا ما يجعل وجود مصادر أصلية وموثوقة ومتعددة أمراً حاسماً.
وقد حذرت شخصيات بارزة في عالم الصحافة من هذه المشكلة.
في محاضرة ألقاها رئيسة تحرير Reuters ألِسندرا غالوني في تموز/يوليو ٢٠٢٦، حذرت من أن استخدام المحتوى الصحافي من دون موافقة أو تعويض يمكن أن يهدد اقتصاد الصحافة الأصلية، مع التشديد على الاستقلال والدقة والإسناد والإشراف البشري.
وفي المقابل، ترى المؤسسات الإعلامية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لتسريع العمل الصحافي، إذا بقيت المسؤولية التحريرية النهائية بيد الإنسان.
وماذا يعني ذلك للبنان؟
هنا تصبح القضية أكثر من مجرد نقاش تقني.
لبنان يمتلك أرشيفاً صحافياً وثقافياً وتاريخياً هائلاً، إضافة إلى جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية وإعلامية وإرث دبلوماسي واجتماعي واسع.
لكن جزءاً من هذه الذاكرة ما زال موزعاً بين أرشيفات ورقية، ومواقع قديمة، وملفات PDF، وصفحات غير مهيأة جيداً للبحث، ومحتوى عربي غير منظم أو غير مترابط.
وفي الوقت نفسه، تشير استراتيجية لبنان الرقمية والذكاء الاصطناعي الحديثة إلى أن الحلول العربية، والنماذج متعددة اللغات واللهجات، والبيانات، والبنية التحتية الرقمية، والإعلام تمثل مجالات يمكن أن يستفيد منها لبنان في سباق الذكاء الاصطناعي.
وهنا تظهر فرصة ربما لا تحظى بالاهتمام الكافي:
لبنان لا يحتاج فقط إلى إنتاج مزيد من المحتوى؛ بل يحتاج إلى تنظيم ذاكرته الرقمية.
مشاريع التنمية.
الجامعات.
الأبحاث.
المواقع الأثرية.
التراث.
الاقتصاد.
الاغتراب.
المساعدات الإنسانية.
المواقف الدبلوماسية.
الانتخابات.
الحروب والأزمات.
الإنجازات الرياضية والثقافية.
حتى الإخفاقات والأزمات يجب أن تكون موثقة ومؤرخة ومفهومة في سياقها.
لأن ما لا يُوثق اليوم قد يصبح غداً فراغاً معرفياً.
من “الإعلام الوطني” إلى “البنية الوطنية للمعرفة“
ربما يكون هذا هو التحول الأكبر.
في القرن العشرين، كانت الدول تبني إذاعاتها وصحفها ووكالات أنبائها.
وفي القرن الحادي والعشرين، بنت مواقعها الإلكترونية وحساباتها على وسائل التواصل.
أما المرحلة الجديدة فتتطلب شيئاً مختلفاً:
بناء بنية معرفية رقمية تستطيع الآلات قراءتها وفهمها والاستشهاد بها.
وهذا لا يعني صناعة دعاية.
بل العكس تماماً.
كلما كان المحتوى أكثر شفافية، وأكثر توثيقاً، وأكثر ارتباطاً بالمصادر المستقلة، وأكثر وضوحاً في التفريق بين الخبر والرأي، زادت قيمته المعرفية.
المطلوب ليس أن “نخدع الخوارزمية”.
المطلوب أن نعطيها معلومات أفضل.
من SEO إلى “سيادة المعرفة“
وهنا تتقاطع المسألة مع مفهوم بدأ يبرز عالمياً: السيادة الرقمية.
ففي آب/أغسطس ٢٠٢٦، دعت الصين إلى احترام ما سمته السيادة الرقمية للدول في ظل التنافس العالمي على الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على أن البيانات والبنية التكنولوجية والقدرة على إنتاج المعرفة أصبحت جزءاً من التنافس الجيوسياسي نفسه.
لكن السيادة الرقمية ليست فقط امتلاك مراكز بيانات أو نماذج ذكاء اصطناعي.
هناك مستوى آخر أكثر هدوءاً:
من يمتلك القدرة على تعريف نفسه رقمياً؟
ومن يملك أرشيفه؟
ومن ينتج البيانات؟
ومن يوثق تاريخه؟
ومن يكتب باللغة التي يفهمها العالم والآلة؟
ومن يستطيع أن يجعل المصادر الأصلية قابلة للوصول والاستشهاد؟
هذه الأسئلة قد تصبح في السنوات المقبلة جزءاً من الأمن المعرفي للدول.
المعركة القادمة ليست بين الإنسان والآلة
قد يكون من الخطأ النظر إلى المسألة كصراع بين الصحافي والذكاء الاصطناعي.
المعركة الحقيقية قد تكون بين المعلومات الموثقة والمعلومات المهملة.
بين الأرشيف المنظم والفوضى الرقمية.
بين المصدر الأصلي والمعلومة التي يعاد تدويرها آلاف المرات.
وبين دولة تكتب ذاكرتها بنفسها، ودولة تترك الآخرين يكتبونها عنها.
لذلك، فإن الاستثمار في الإعلام الوطني، والأرشيف الرقمي، والمحتوى العربي، والمصادر المفتوحة، والبيانات الموثقة، والترجمة متعددة اللغات، ليس ترفاً تقنياً.
إنه استثمار في الصورة التي سيجدها العالم عندما يسأل عنك.
والسؤال الذي يجب أن يبدأ الآن
بعد سنوات، قد لا يكون السؤال الأول الذي يطرحه العالم على Google :
“ماذا حدث في لبنان؟“
بل:
“ماذا تعرف عن لبنان؟“
والإجابة قد تظهر خلال ثوانٍ.
مختصرة.
مقنعة.
ومبنية على عشرات المصادر التي لن يراها المستخدم كلها.
عندها لن يكون لدينا وقت لنشرح للآلة أن قصة بلدنا أكثر تعقيداً مما كتبته.
لأن الانطباع الأول سيكون قد تشكل بالفعل.
لقد انتقلت معركة السمعة من الشاشة إلى الخوارزمية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لن يكون السؤال فقط:
من يروي قصة وطنك للعالم؟
بل السؤال الأخطر:







