موسكو تضرب العاصمة الأوكرانية وزابوريجيا بالصواريخ، وكييف توسّع هجماتها داخل الأراضي الروسية… فيما تتراجع آمال ترامب وبوتين في إنهاء الحرب
كييف — بدأت التحذيرات أولاً.
ثم دوّت الانفجارات.
قبل فجر الثلاثاء، شقّت صواريخ باليستية روسية سماء كييف، فيما دوت صفارات الإنذار وأسرع السكان إلى الملاجئ. هزّت الانفجارات العاصمة الأوكرانية، واندلعت حرائق في أحد أحيائها المركزية، بينما هرعت فرق الطوارئ إلى المواقع المتضررة.
وفي الوقت نفسه، كانت مدينة زابوريجيا جنوب شرقي أوكرانيا تتعرض لضربة روسية أخرى.
لكن هذه المرة كان الثمن أكثر دموية.
قتل خمسة أشخاص وأصيب ٢٠ آخرون في الهجوم الروسي على زابوريجيا، بحسب السلطات المحلية، فيما أُصيب شخص واحد على الأقل في كييف واندلعت حرائق في منطقة مركزية من العاصمة.
وكان مراسلو «رويترز» قد أفادوا بسماع دوي انفجارات في كييف.
الرسالة التي حملتها الضربات الأخيرة كانت واضحة وقاسية:
مهما بقي من آمال دبلوماسية لإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، فإن صوت الميدان لا يزال أعلى.
والميدان يتحدث بالصواريخ.
كييف تحت الهجوم الباليستي
جاءت الانفجارات الأولى بعد منتصف الليل بقليل.
وحذّر رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو من أن العاصمة تتعرض لهجوم بصواريخ باليستية، فيما كانت صفارات الإنذار تدوي في أنحاء المدينة.
وأُرسلت فرق الطوارئ إلى منطقة شيفتشينكيفسكي، حيث اندلعت حرائق وأُبلغ عن أضرار لحقت بمستودعات ومبانٍ.
واستمر الإنذار الجوي نحو ٤٠ دقيقة قبل إعلان انتهاء الخطر، وفق المعطيات الأولية.
وفي شوارع العاصمة، تكررت المشاهد التي بات الأوكرانيون يعرفونها جيداً بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الشاملة:
ليلٌ مقطوع بصفارات الإنذار،
انفجارات مفاجئة،
أضواء الحرائق،
وسيارات الإسعاف والإطفاء تشق طريقها وسط المدينة.
لكن موقع الهجوم يحمل دلالة سياسية وعسكرية خاصة.
كييف لا تزال أحد أكثر الأهداف حساسية في الحرب.
فكل صاروخ يسقط على العاصمة لا يترك أثراً مادياً فحسب، بل يرسل رسالة تتجاوز الهدف العسكري المباشر.
إنه استعراض للقدرة على الوصول.
وتحذير.
وربما محاولة للتأثير في الحسابات السياسية التي تُجرى بعيداً عن خطوط النار.
زابوريجيا تدفع الثمن الأكبر
بينما كانت كييف تتعامل مع موجة جديدة من الانفجارات، سجلت زابوريجيا الحصيلة الأكثر دموية في الهجمات الأخيرة.
خمسة قتلى و٢٠ جريحاً بعد استهداف منشآت صناعية وبنى تحتية، وفق حاكم المنطقة إيفان فيدوروف.
وتضررت مبانٍ ومركبات، فيما واصلت فرق الإنقاذ العمل في مواقع الضربات.
ويعيد الهجوم التأكيد على حقيقة أصبحت راسخة في الحرب:
الضربات الروسية لا تقتصر على خطوط الجبهة.
فمدن تبعد مئات الكيلومترات عن مواقع القتال المباشر لا تزال معرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة والقنابل الموجهة.
ويأتي ذلك في إطار حملة روسية أوسع استهدفت مراراً منشآت الطاقة والنقل والصناعة والبنية التحتية الأوكرانية.
وبذلك لم تعد الحرب مجرد معركة على الأرض.
لقد أصبحت أيضاً معركة على قدرة أوكرانيا على الاستمرار اقتصادياً وصناعياً وتحت الضغط.
ثم عادت الحرب إلى داخل روسيا
لكن الليل لم يكن روسياً بالكامل.
فأوكرانيا أثبتت مرة أخرى قدرتها على ضرب أهداف بعيدة داخل الأراضي الروسية.
في منطقة فورونيج، أسفر هجوم بطائرات مسيّرة عن مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين، وفق حاكم المنطقة ألكسندر غوسيف.
وقالت الدفاعات الجوية الروسية إنها أسقطت ١٥ مسيّرة فوق مدينة فورونيج وخمس مناطق أخرى.
لكن الحطام المتساقط تسبب في اندلاع حرائق في مستودعين تابعين لشركة كبيرة.
وبحسب السلطات المحلية، امتدت إحدى الحرائق على مساحة تقارب ١٦ ألف متر مربع، بينما غطت النيران في المنشأة الثانية نحو ٢٠ ألف متر مربع.
ولم يتم تحديد هوية الشركة المستهدفة.
كما أعلنت شركة التجارة الإلكترونية الروسية «Wildberries» إخلاء منشآتها اللوجستية في المنطقة كإجراء احترازي.
وهنا تظهر إحدى أبرز التحولات في الحرب.
كييف لم تعد تكتفي بالدفاع عن مدنها.
إنها تحاول نقل كلفة الحرب إلى العمق الروسي.
حرب المسيّرات تتحول إلى حرب مسافات
لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد حدود المعركة.
خطوط الجبهة لا تزال حاسمة.
لكن السؤال أصبح أكثر اتساعاً:
من يستطيع الضرب على مسافة أبعد؟
أوكرانيا وسّعت خلال الفترة الماضية حملتها باستخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، مستهدفة منشآت صناعية وعسكرية واقتصادية داخل روسيا.
مصافي نفط.
منشآت عسكرية.
مستودعات.
مراكز لوجستية.
ومنشآت صناعية.
الهدف ليس فقط إلحاق أضرار مادية، بل إجبار روسيا على توزيع دفاعاتها الجوية على مساحة جغرافية هائلة، من الحدود وصولاً إلى عمق البلاد.
وفي المقابل، تواصل روسيا استخدام الصواريخ والمسيّرات لضرب المدن والبنى التحتية الأوكرانية.
والنتيجة:
حرب باتت تمتد إلى ما وراء الجبهة.
فحتى المناطق البعيدة عن الخنادق لم تعد بعيدة عن الحرب.
كوريا الشمالية… ظل جديد فوق المعركة
لكن هناك تطوراً آخر يزيد المشهد تعقيداً:
كوريا الشمالية.
حذّر مسؤولون أوكرانيون من احتمال وصول موجة جديدة من القوات الكورية الشمالية إلى روسيا.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن العدد قد يصل إلى ٣٠ ألفاً أو حتى ٥٠ ألف جندي.
لكن هذا الرقم يبقى تقديراً أو تحذيراً أوكرانياً، وليس رقماً مستقلاً مؤكداً بشكل نهائي.
أما التعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ فليس جديداً.
فقد سبق أن شاركت قوات كورية شمالية في القتال إلى جانب القوات الروسية، خصوصاً في منطقة كورسك، وسط تقارير غربية وآسيوية عن توسع التعاون العسكري بين البلدين.
والأهمية لا تكمن في عدد الجنود فقط.
فبيونغ يانغ تحصل على خبرة قتالية مباشرة.
وموسكو تحصل على موارد بشرية وعسكرية إضافية.
وفي المقابل، تحصل كوريا الشمالية على فرصة للاستفادة من الخبرات والتقنيات العسكرية الروسية.
وهكذا، يمكن أن تتحول الحرب من مواجهة تتركز أساساً بين روسيا وأوكرانيا إلى اختبار أوسع للتحالفات الدولية.
جبهة أخرى خلف القضبان
بعيداً عن الصواريخ والمسيّرات، تتشكل جبهة أخرى من نوع مختلف.
فقد اتهم أسرى أوكرانيون سابقون ومسؤولون أوكرانيون روسيا بممارسة التعذيب بصورة منهجية ضد أسرى الحرب والمعتقلين المدنيين.
وتحدثت شهادات عن الضرب والصدْم الكهربائي والعنف الجنسي وغيرها من أشكال سوء المعاملة.
ومن بين الشهادات، رواية جندي أوكراني قال إنه قضى ١١٨٣ يوماً في الأسر الروسي.
روسيا رفضت هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها حملة تضليل، كما اتهمت أوكرانيا بدورها بإساءة معاملة أسرى روس.
لكن هذه الادعاءات لا تظهر في فراغ.
فقد وثقت بعثات تابعة للأمم المتحدة في تقارير سابقة شهادات متعددة حول التعذيب وسوء المعاملة بحق أسرى أوكرانيين احتجزتهم روسيا.
وهكذا، أصبحت قضية الأسرى جبهة أخرى في الحرب:
ليست على الأرض، بل على مستوى حقوق الإنسان والمحاسبة.
وقد تستمر هذه المعركة حتى بعد أن تصمت المدافع.
دبلوماسية ترامب وبوتين تفقد زخمها
كل ذلك يحدث في وقت تتراجع فيه الآمال الدبلوماسية.
بعد عام من اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، والذي كان يفترض أن يخلق زخماً نحو إنهاء الحرب، تبدو تلك الآمال أكثر هشاشة.
الحديث الروسي عن “روح أنكوريج”، باعتبارها رمزاً لعودة الحوار بين موسكو وواشنطن، بدأ يتراجع أمام واقع مختلف تماماً.
الصواريخ تعود.
الهجمات تتوسع.
والمفاوضات تتعثر.
والجهود الأميركية للوساطة تواجه صعوبة في تحقيق اختراق بينما تواصل روسيا وأوكرانيا تصعيد عملياتهما العسكرية.
وهنا تظهر المفارقة الأخطر.
المسار السياسي يقول: تفاوضوا.
والميدان يقول: اضربوا أكثر.
وكلما اتسعت المسافة بين المسارين، أصبح الوصول إلى تسوية أصعب.
موسكو تراهن على الضغط
يبدو أن الاستراتيجية الروسية تركز على مواصلة الضغط العسكري ومحاولة تحسين موقع موسكو قبل أي تسوية جدية.
أما أوكرانيا، فترد بتوسيع قدرتها على الضرب بعيداً داخل روسيا واستهداف منشآتها العسكرية والاقتصادية.
ولا يبدو أن أياً من الطرفين مقتنع حتى الآن بأن لحظة التسوية قد وصلت.
وهذه هي المشكلة الأساسية التي تواجه الدبلوماسية.
فالمفاوضات تنجح عندما يقتنع الطرفان بأن ثمن التسوية أقل من ثمن استمرار الحرب.
لكن إذا اعتقدت موسكو أن الوقت يعمل لصالحها، فقد تواصل القتال.
وإذا اعتقدت كييف أن إضعاف الآلة العسكرية الروسية سيحسن موقعها التفاوضي، فقد تواصل ضرب العمق الروسي.
وإذا لم تتمكن واشنطن من إقناع الطرفين بأن التسوية أفضل من الحرب، فإن الضغط الدبلوماسي وحده قد لا يكون كافياً.
الحرب تتوسع في كل الاتجاهات
تكشف التطورات الأخيرة مدى اتساع الصراع.
في كييف: صواريخ باليستية وحرائق.
في زابوريجيا: خمسة قتلى و٢٠ جريحاً.
في فورونيج: مسيّرات وحرائق وخسائر بشرية.
في عمق روسيا : ضربات أوكرانية تطال منشآت صناعية واستراتيجية.
في مراكز الاحتجاز: اتهامات جديدة بالتعذيب وسوء المعاملة.
على الجبهة الدبلوماسية: تراجع الآمال في أن يتمكن مسار ترامب وبوتين من إنهاء الحرب سريعاً.
وحول ساحة المعركة: تحذيرات من توسع التعاون العسكري الروسي-الكوري الشمالي.
الحرب لم تعد تتحرك على محور واحد.
إنها تتوسع في وقت واحد عبر:
الجغرافيا، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والدبلوماسية، وحقوق الإنسان.
اتفاق السلام يصبح أكثر صعوبة… لا أكثر قرباً
السؤال لم يعد: هل يمكن للحرب أن تتصاعد؟
لقد تصاعدت بالفعل.
السؤال الحقيقي هو:
هل تستطيع الدبلوماسية اللحاق بها؟
لا تزال الإجابة غير واضحة.
حاولت الولايات المتحدة مراراً دفع موسكو وكييف نحو المفاوضات، لكن استمرار الضربات يشير إلى أن أياً من الطرفين لم يقتنع بعد بأن كلفة التسوية أقل من كلفة استمرار الحرب.
وكل ضربة جديدة تغيّر المعادلة السياسية.
مبنى مدمر يتحول إلى مطلب تفاوضي.
مدني قتيل يتحول إلى مطالبة جديدة بالمحاسبة.
مصفاة نفط مدمرة تتحول إلى مبرر لرد انتقامي.
سلاح جديد يتحول إلى سبب لتعزيز الرد العسكري.
وهكذا تستمر الحلقة.
صاروخ… رد.
مسيّرة… ضربة مضادة.
تصعيد… ثم تصعيد أكبر.
مفاوضات… ثم انهيار.
ثم صاروخ جديد.
كييف تحترق… والساعة الدبلوماسية تضيق
أخطر ما في الهجمات الأخيرة ليس فقط عدد القتلى والجرحى.
بل توقيتها.
فالميدان يتصاعد في اللحظة نفسها التي يفقد فيها المسار الدبلوماسي زخمه.
وهذه تركيبة شديدة الخطورة.
فعندما تفشل المفاوضات، يعود القادة إلى الميدان بحثاً عن أوراق ضغط جديدة.
وعندما تصبح المعارك أكثر دموية، تصبح المفاوضات أكثر صعوبة سياسياً.
وعندما يدفع المدنيون الثمن، يصبح تمرير أي تنازل أمام الرأي العام أكثر تعقيداً.
أوكرانيا تدخل بذلك مرحلة جديدة وخطيرة من الحرب.
الصواريخ لا تزال قادمة.
المسيّرات تطير لمسافات أبعد.
روسيا تضرب المدن الأوكرانية.
وأوكرانيا تضرب العمق الروسي.
دور كوريا الشمالية يتوسع.
اتهامات التعذيب تتزايد.
وفي الخلفية، يبدو الجسر الدبلوماسي الذي كان يفترض أن يربط واشنطن وموسكو وكييف أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
السؤال الأخير: من سيتراجع أولاً؟
قد يفرض الميدان في النهاية ما عجزت الدبلوماسية عن فرضه.
إذا تمكنت روسيا من الحفاظ على ضغطها العسكري من دون دفع كلفة اقتصادية وسياسية لا يمكن تحملها، فقد لا ترى موسكو سبباً كافياً لتقديم تنازلات.
وإذا تمكنت أوكرانيا من مواصلة ضرب العمق الروسي والحفاظ على الدعم الغربي، فقد ترى كييف أن الوقت يمكن أن يحسن موقعها التفاوضي.
أما إذا خلصت واشنطن إلى أن المسار الدبلوماسي وصل إلى طريق مسدود، فقد تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الضغط على موسكو، أو تعيد صياغة استراتيجيتها بالكامل.
في الوقت الراهن، لا يبدو أن هناك مخرجاً سهلاً.
هناك فقط الضغط.
والرد.
والتصعيد.
وليل آخر ينتظر فيه الأوكرانيون صفارات الإنذار.
في كييف، سمع السكان الصواريخ قبل الفجر.
في زابوريجيا، أحصت العائلات قتلاها.
وفي روسيا، اشتعلت المستودعات بعد ضربات المسيّرات.
وخلف الأبواب المغلقة في غرف التفاوض، يبقى السؤال نفسه:
كم من الدمار سيحتاجه الطرفان قبل أن ينتج الميدان التسوية التي عجزت الدبلوماسية عن فرضها؟
بالنسبة إلى أوكرانيا، لا يمكن أن تأتي الإجابة سريعاً بما يكفي.
لأن الصواريخ…







