علي الطاهر يشعل الجنوب: هل تمنع واشنطن نتنياهو من فتح معركة جديدة في لبنان؟
في جنوب لبنان، لا تبدو المعركة المقبلة مجرد مواجهة على تلة استراتيجية.
علي الطاهر أصبحت نقطة تقاطع بين الميدان والتفاوض والانتخابات الإسرائيلية والحسابات الأميركية والإيرانية.
وبينما تتعثر المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، يستمر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، فيما تراقب واشنطن التطورات عن قرب وتدفع باتجاه إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحًا.
واللافت أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى قال في ٢٦ آب إن الولايات المتحدة تترقب ما سيحدث في علي الطاهر خلال اليومين التاليين، مؤكدًا في الوقت نفسه استمرار المفاوضات، ومضيفًا أن واشنطن مستعدة للتفاوض مع حزب الله إذا كان لديه ما يقدمه.
هنا تحديدًا تبدأ العقدة.
واشنطن لا تريد انفجارًا جديدًا
الموقف الأميركي يبدو أكثر تعقيدًا من مجرد دعم طرف ضد آخر.
ففي الجنوب، تريد واشنطن تثبيت مسار الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي وإنشاء مناطق تجريبية تتولى فيها الدولة اللبنانية والجيش اللبناني المسؤولية الأمنية، مقابل انسحابات إسرائيلية تدريجية.
لكن جولة روما الأخيرة في ٤-٦ آب انتهت من دون اختراق في الملفات الأساسية، ولا سيما توسيع المناطق التجريبية، وقف العمليات الإسرائيلية، وآلية التحقق والانسحاب.
كما أن إيطاليا تلعب دورًا متزايدًا في المسار؛ فقد أعلن وزير خارجيتها أنطونيو تاياني دعمه للمفاوضات وتعزيز قدرات الدولة اللبنانية، والعمل لمنع الفراغ الأمني بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.
أما الحديث عن مفاوضات إيطالية سرية مباشرة مع حزب الله، فلم يظهر حتى الآن ما يكفي لإثباته كمعلومة رسمية. الثابت هو أن روما منخرطة بعمق في مسار التفاوض وتعمل على ترتيبات الجنوب والمرحلة التي ستلي اليونيفيل.
لماذا أصبحت علي الطاهر بهذه الحساسية؟
تتمتع التلة بموقع مرتفع ومهم في جغرافية الجنوب، ما يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية ورمزية.
وفي ٢٦ حزيران، أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة على الموقع، بينما نفى حزب الله ذلك وأكد استمرار وجود مقاتليه فيه، وسط تقارير عن بنية تحتية وأنفاق في المنطقة.
وفي الأسابيع الأخيرة، تصاعد الحديث عن التلة باعتبارها عقدة أساسية في أي ترتيب أمني جديد.
مصادر وتقارير لبنانية ربطت ذلك أيضًا بالاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد يجد في أي إنجاز عسكري فرصة لاستعادة الزخم السياسي قبل انتخابات الكنيست المقررة في ٢٧ تشرين الأول.
لكن هذه النقطة يجب التعامل معها بحذر : الربط بين قرار عسكري محدد وحسابات نتنياهو الانتخابية يبقى تحليلًا سياسيًا، لا قرارًا إسرائيليًا معلنًا.
نتنياهو أمام خصم جديد
المؤكد أن المشهد السياسي الإسرائيلي يتغير.
فاستطلاعات حديثة أظهرت تقدم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت وحزبه «يشار» على الليكود في بعض السيناريوهات الانتخابية. وفي أحد الاستطلاعات حصل «يشار» على ٢٤ مقعدًا مقابل ٢٢ لليكود.
وهذا يفسر لماذا أصبحت كل عملية عسكرية جديدة في إسرائيل مرتبطة تلقائيًا بالسؤال السياسي: هل هي خطوة أمنية أم جزء من معركة انتخابية؟
حتى الآن لا يوجد دليل علني على أن واشنطن قررت رسميًا دعم آيزنكوت لخلافة نتنياهو، لكن تقارير وتحليلات لبنانية تحدثت عن تقديرات أميركية ترى أن تغيير القيادة في إسرائيل قد يكون الطريق الأسهل للخروج من مأزق نتنياهو التفاوضي.
النتيجة العملية واحدة: واشنطن لا تبدو راغبة في أن يتحول الجنوب اللبناني إلى جبهة جديدة واسعة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
عيسى يضع المعادلة الأميركية على الطاولة
تصريحات ميشال عيسى كشفت جانبًا أساسيًا من الحساب الأميركي.
فالسفير سأل بوضوح لماذا يُطلب من إسرائيل الانسحاب، بينما لا يُطلب في الوقت نفسه من حزب الله تسليم سلاحه، وقال إن واشنطن مستعدة للتفاوض مع الحزب إذا كان لديه ما يقدمه.
وهذا يعني أن واشنطن تنظر إلى الملف من زاوية مزدوجة:
انسحاب إسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية لبنانية، وفي مقدمتها مسألة سلاح حزب الله.
لكن بيروت ترى المعادلة بصورة مختلفة، إذ تطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية قبل تثبيت ترتيبات أمنية دائمة.
ومن هنا جاء موقف الرئيس جوزاف عون واضحًا: “لا خيار إلا التفاوض”.
عون أكد أن أهداف لبنان تشمل تحرير الجنوب، نشر الجيش حتى الحدود، استعادة الأسرى، عودة الأهالي وإعادة الإعمار، معتبرًا أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها بالحرب.
الجنوب ليس وحده في الحسابات الأميركية
المشهد اللبناني لا يمكن فصله عن الحرب الأوسع مع إيران.
ففي واشنطن، تتجه الإدارة الأميركية في الوقت الراهن نحو الضغط الاقتصادي بدل فتح جبهة عسكرية كبرى جديدة. وبحسب تقرير Axios، فإن سياسة واشنطن الحالية تركز على العقوبات والضغط على إيران وتسهيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، مع تجنب العودة إلى عمليات قتالية واسعة في الوقت الحالي.
وفي تطور بالغ الدلالة، تحدث الرئيس دونالد ترامب مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير قبل زيارته إلى طهران، طالبًا باستخدام النفوذ الباكستاني لدفع إيران إلى العودة إلى المفاوضات. وأكدت مصادر باكستانية لرويترز أن الاتصال تم قبل زيارة منير إلى طهران.
أي أن واشنطن، في هذه المرحلة، تبدو وكأنها تفضل الضغط والتفاوض والوسطاء على توسيع الحرب.
وهذا يفسر أيضًا حساسية أي انفجار كبير في علي الطاهر.
من لبنان إلى سوريا… إسرائيل تثبت مواقعها
وفي الوقت نفسه، تتسع الصورة جنوبًا وشرقًا.
فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن خلال زيارته جبل الشيخ أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من الموقع أو المنطقة الأمنية ما دامت إسرائيل تعتبر أن التهديدات قائمة، موجّهًا رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وبذلك تبدو إسرائيل متمسكة بسياسة إنشاء مناطق أمنية متقدمة في كل من لبنان وسوريا، حتى في وقت تستمر فيه الاتصالات الدبلوماسية.
وهذه النقطة تحديدًا تثير قلق بيروت، لأن استمرار الاحتلال والعمليات العسكرية يضعف أي فرصة لنجاح المفاوضات ويمنح الأطراف المتشددة مبررات إضافية للتصعيد.
بارقة من بيروت: الإمارات تدخل على خط الاقتصاد
وسط هذا المشهد الأمني، ظهر مسار مختلف تمامًا في بيروت.
فقد وصل وفد إماراتي يضم نحو ٨٠ مسؤولًا ورجل أعمال ومستثمرًا برئاسة وزير التجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، لعقد لقاءات اقتصادية واستكشاف فرص الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص اللبناني.
وشملت الاجتماعات قطاعات التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا والطاقة والمصارف والبنى التحتية.
رئيس الحكومة نواف سلام اعتبر الزيارة مؤشرًا على استعادة الثقة العربية بلبنان، فيما تحدث الجانب الإماراتي عن شراكات اقتصادية طويلة الأمد.
لكن الرسالة الأهم قد تكون سياسية بقدر ما هي اقتصادية:
هناك من يراهن على الدولة اللبنانية حتى وسط الحرب.
العفو العام… ملف داخلي على صفيح ساخن
وفي الداخل، يواصل قانون العفو العام إثارة النقاش السياسي والطائفي والقانوني.
وكان مجلس النواب قد أقر قانونًا للعفو في ١٢ آب، وسط جدل واسع حول الفئات المستفيدة والاستثناءات، فيما تحدث المفتي عبد اللطيف دريان عن أن القانون كان يمكن أن يكون أوسع وأشمل.
وهكذا يجد لبنان نفسه أمام ثلاثة مسارات متوازية:
مسار عسكري في الجنوب، ومسار تفاوضي مع إسرائيل، ومسار اقتصادي يسعى إلى إعادة فتح أبواب الاستثمار العربي.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
المشكلة أن الساعات المقبلة لا تتعلق فقط بتلة.
علي الطاهر أصبحت اختبارًا لمدى قدرة واشنطن على كبح التصعيد، وقدرة إسرائيل على الفصل بين الحسابات العسكرية والسياسية، وقدرة لبنان على تحويل التفاوض إلى انسحاب فعلي، وقدرة الدولة على تثبيت حضورها في الجنوب.
إذا بقيت التلة خارج معركة واسعة، فقد تتحول إلى ورقة تفاوضية قابلة للاحتواء.
أما إذا اندلعت معركة كبيرة حولها، فقد تنهار الترتيبات الهشة التي بُنيت خلال الأشهر الماضية، خصوصًا أن مفاوضات روما لم تحقق اختراقًا حاسمًا، فيما لا تزال الجولة المقبلة غير محددة الموعد بشكل نهائي.
وفي هذه اللحظة، تبدو واشنطن أمام معادلة صعبة:
منع نتنياهو من إشعال جبهة جديدة، من دون التخلي عن مطلب نزع سلاح حزب الله؛ إبقاء المفاوضات حيّة، من دون القدرة على فرض انسحاب إسرائيلي؛ واحتواء إيران، من دون العودة إلى حرب مفتوحة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يسيطر على علي الطاهر؟
بل:




