البابا لاوون الرابع عشر في فرنسا: من حشود باريس وجراح لورد إلى رسالة السلام في أوروبا
انتهت زيارة لاوون الرابع عشر إلى فرنسا… لكن رسالته الأصعب لأوروبا بدأت للتو
باريس – لورد – ميتز /٢٩ أيلول ٢٠٢٦
أربعة أيام فقط كانت كافية ليضع البابا لاوون الرابع عشر فرنسا أمام أسئلة كبرى تتجاوز حدود الإيمان والكنيسة.
من باريس، حيث واجه مستقبل الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى كاتدرائية نوتردام التي استعادت حياتها بعد الحريق، ثم إلى لورد حيث التقى مرضى وناجين من الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة، وصولاً إلى ميتز، حيث تحوّل الخطاب إلى أوروبا وحروبها وانقساماتها ومستقبل السلام.
لم تكن الرحلة مجرد زيارة بابوية.
كانت اختباراً للإيمان، ولقدرة الكنيسة على مواجهة جراحها، ولقدرة أوروبا على استعادة لغة الحوار والسلام.
وكانت زيارة ٢٥–٢٨ أيلول خامس رحلة رسولية دولية للاوون الرابع عشر، وأول زيارة دولة بابوية رسمية إلى فرنسا منذ زيارة بندكتس السادس عشر عام ٢٠٠٨، وشملت باريس ولورد وميتز، إلى جانب محطة تاريخية في منظمة اليونسكو.
باريس… البابا يدخل قلب فرنسا العلمانية
منذ وصوله إلى باريس في ٢٥ أيلول، دخل لاوون الرابع عشر مباشرة في قلب المشهد الفرنسي السياسي والدبلوماسي.
في قصر الإليزيه، التقى الرئيس إيمانويل ماكرون، قبل أن يخاطب السلطات الفرنسية وممثلي المجتمع المدني والدبلوماسيين.
لكن في اليونسكو، برز ملف واحد فوق سواه:
الذكاء الاصطناعي.
حذّر البابا من أن تتحول التكنولوجيا من أداة لخدمة الإنسان إلى قوة تعيد تعريف الإنسان نفسه.
لم يكن اعتراضه على التقدم التكنولوجي، بل على تقدم منفصل عن الأخلاق والكرامة البشرية.
وفي عالم تهتز فيه الثقة بالمؤسسات الدولية وتتعمق فيه الأزمات والحروب والاستقطاب، وسّع لاوون الرابع عشر رسالته من حدود الكنيسة إلى مستقبل البشرية نفسها.
السؤال الذي طرحه كان واضحاً: من يخدم من؟ الإنسان التكنولوجيا، أم التكنولوجيا الإنسان؟
نوتردام… ذاكرة النار وعودة الإيمان
في وقت لاحق، دخل البابا كاتدرائية نوتردام، المكان الذي لا يزال يحمل ذاكرة حريق ٢٠۱٩، لكنه بات أيضاً رمزاً لإعادة البناء.
وأفاد الفاتيكان بأن نحو ٣٠٠ ألف شخص احتشدوا على امتداد الطريق وحول الكاتدرائية لدى وصوله.
في الداخل، صلى لاوون أمام القربان المقدس وكرّم إكليل الشوك.
كانت الصورة تختصر مفارقة فرنسا: بلد تشكّل تاريخه بعمق على يد المسيحية، لكنه يعيش في الوقت نفسه تراجعاً واضحاً في الممارسة الدينية.
ثم انفجرت باريس بالحشود
في اليوم التالي، تحولت الزيارة إلى أكبر مشاهدها الجماهيرية.
امتلأت الشانزليزيه والمناطق المحيطة بها خلال القداس البابوي المفتوح، وسط تقديرات تراوحت بين ٧٠٠ ألف و٨٠٠ ألف شخص.
شباب يهتفون باسم البابا، أعلام الفاتيكان تملأ الشوارع، والبابا داخل السيارة البابوية يتوقف مراراً لتحية الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة.
لكن خلف المشهد الجماهيري سؤال أكثر عمقاً:
هل اختفت الكاثوليكية فعلاً من الحياة العامة الفرنسية، أم أنها بدأت تظهر بصورة مختلفة؟
فالتناقض كان صارخاً: تراجع في الممارسة الدينية المنتظمة، مقابل استجابة جماهيرية ضخمة لزيارة البابا.
وهنا تحولت الحشود إلى أكثر من مشهد احتفالي.
لقد أصبحت اختباراً لقدرة الهوية الكاثوليكية على مخاطبة مجتمع يُعد من أكثر المجتمعات الأوروبية علمانية.
لورد… حيث انتهى الاحتفال وبدأت الجراح
في لورد، تغيّر كل شيء.
عند مغارة ماسابييل، صلى لاوون أمام تمثال العذراء مريم، ولمس الصخرة وشرب من النبع ووضع الوردة الذهبية أمام سيدة لورد.
لكن لورد لم تكن محطة روحية فقط.
كانت أيضاً المكان الذي دخلت فيه أكثر ملفات الكنيسة الفرنسية إيلاماً إلى قلب الزيارة.
التقى البابا سبعة ناجين من الاعتداءات الجنسية المرتبطة برجال دين في لقاء خاص استمر نحو ساعتين، على خلفية التحقيق الفرنسي المستقل لعام ٢٠٢۱ في عقود من الانتهاكات.
وقدّر التحقيق أن نحو ٣٣٠ ألف قاصر تعرضوا للاعتداء من قبل رجال دين أو أشخاص مرتبطين بالكنيسة على مدى نحو سبعة عقود.
وكانت الرسالة البابوية في لورد من أكثر رسائل الرحلة مباشرة.
فالكنيسة، بحسب لاوون الرابع عشر، مطالبة بأن تبدأ بنفسها، وأن تعترف بـ “جراحها العميقة وخياناتها وأخطائها المؤلمة”.
وهنا ظهر أحد أهم خطوط الرحلة:
لا يمكن للكنيسة أن تطلب من العالم الثقة بها، من دون أن تواجه أولاً إخفاقاتها.
“الرحمة الزائفة”… مواجهة جديدة حول نهاية الحياة
لم يتوقف خطاب البابا عند أزمة الاعتداءات.
ففي فرنسا، دخل لاوون الرابع عشر أيضاً في واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية: المساعدة الطبية على الانتحار.
وقد رفضها، واصفاً إياها بـ “الرحمة الزائفة”، في موقف وضع الكنيسة الكاثوليكية مباشرة في مواجهة الجدل الفرنسي المتصاعد حول المساعدة على الموت.
ومن الذكاء الاصطناعي إلى الحرب والمرض والهجرة والفقر ونهاية الحياة، بقي خط واحد ثابتاً في خطاب البابا:
الإنسان لا يمكن أن يصبح أقل أهمية من التكنولوجيا أو الأيديولوجيا أو الراحة أو القوة.
ميتز… من فرنسا إلى مستقبل أوروبا
ثم انتقلت الرحلة إلى ميتز.
ولم يكن الاختيار عابراً.
فمدينة ميتز ترتبط باسم روبير شومان، أحد الآباء المؤسسين للتكامل الأوروبي، وتقع قرب بلجيكا ولوكسمبورغ وألمانيا؛ أي في قلب منطقة تختزن ذاكرة الحروب التي مزقت القارة.
هناك، اتسعت رسالة لاوون الرابع عشر.
لم يعد يتحدث عن فرنسا وحدها، بل عن أوروبا.
دعا البابا الجماعات الدينية في أوروبا إلى أن تكون أدوات للسلام، وشدد على أن اسم الله لا يمكن أن يُستخدم لتبرير العنف أو الاضطهاد.
وفي لقاء للحوار بين الأديان، اجتمع ممثلون عن المسيحية واليهودية والإسلام والبوذية وتقاليد دينية أخرى.
ووصف البابا الحوار بأنه “فن اللقاء”، داعياً إلى “نزع سلاح القلوب والكلمات”.
رسالة ميتز: أوروبا تحتاج إلى أن تتذكر
في مركز روبير شومان للمؤتمرات، دعا لاوون أوروبا إلى استعادة الذاكرة التي ساهمت في بناء المصالحة بعد الحرب العالمية الثانية.
وكانت رسالته مرتبطة أيضاً بالحرب في أوكرانيا.
فالسلام، بحسب الخطاب الذي نقلته التغطية، لا يأتي بلا ثمن؛ والمفاوضات تتطلب استعداد الأطراف لتقديم تنازلات من أجل إنهاء النزاعات.
وهكذا خرجت زيارة فرنسا من إطارها الكنسي الضيق، لتلامس واحدة من أكبر قضايا أوروبا الحالية:
كيف يمكن بناء السلام في قارة ما زالت تحمل آثار الحروب القديمة وتواجه حروباً جديدة؟
من غزة إلى أوكرانيا… الرسالة نفسها
من غزة إلى أوكرانيا، ومن الحدود الأوروبية إلى المؤسسات الدولية، عاد خطاب لاوون الرابع عشر مراراً إلى فكرة واحدة:
السلام لا يُبنى بتراكم القوة وحدها.
إنه يحتاج إلى الحوار، وضبط النفس، والاستعداد لرؤية كرامة الإنسان الآخر.
وهنا اكتسبت الرحلة بعداً يتجاوز فرنسا والكنيسة الكاثوليكية نفسها.
أربعة أيام… ورسالة واحدة
كانت جغرافيا الرحلة تختصر مضمونها.
باريس: الثقافة والسياسة والتكنولوجيا والمجتمع العلماني.
نوتردام: الذاكرة والتراث المسيحي وإعادة البناء.
الشانزليزيه وملعب فرنسا: حشود هائلة كشفت أن الدين لم يختفِ ببساطة من المشهد العام.
لورد: المرض والألم والضحايا ومسؤولية الكنيسة عن مواجهة جراحها.
ميتز: أوروبا والسلام والوحدة والحوار.
وهكذا حاول لاوون الرابع عشر أن يربط التعليم الكاثوليكي بالأسئلة الأكثر إلحاحاً في العصر الحديث: الذكاء الاصطناعي، كرامة الإنسان، الحروب، الانقسامات، أزمة الثقة بالمؤسسات، ومستقبل أوروبا.
فرنسا كانت المسرح… لكن السؤال يخص أوروبا كلها
فرنسا التي استقبلت البابا هي في الوقت نفسه بلد تشكّل بعمق بالمسيحية، ودولة علمانية دستورياً؛ بلد ارتبط تاريخياً بالكنيسة، لكنه يشهد تراجعاً في الممارسة الدينية؛ ومجتمع يواجه اليوم التكنولوجيا المتسارعة والحروب والاستقطاب والتحولات الاجتماعية.
دخل لاوون الرابع عشر إلى هذا التناقض.
لم يحاول إخفاءه.
بل وضعه أمام العالم.
ومن حجارة نوتردام التي استعادت عافيتها، إلى مغارة لورد التي تحمل صلوات الملايين، وصولاً إلى ميتز، بوابة أوروبا وذاكرتها، ترك البابا خلفه سؤالاً أكبر من الزيارة نفسها:







