۱٢ قتيلاً في ضربات روسية على كييف… وأوروبا تسابق الزمن لتأمين صواريخ الاعتراض لأوكرانيا
أوروبا / الحرب في أوكرانيا / الدفاع الجوي / روسيا / صواريخ باتريوت / أمن أوروبا
كييف تحت النار… وأوروبا تبحث عن صواريخ الاعتراض
ويكلو، أيرلندا — ۱ سبتمبر/ أيلول ٢٠٢٦
دخلت الحرب في أوكرانيا مرحلة أكثر خطورة : الصواريخ الاعتراضية تتناقص، والهجمات الروسية تتصاعد، وأوروبا تواجه اختباراً حقيقياً لقدرتها على إبقاء سماء أوكرانيا محمية.
يجتمع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في مقاطعة ويكلو الإيرلندية، اليوم الثلاثاء، فيما تتصدر الدفاعات الجوية الأوكرانية جدول الأعمال، بعد ساعات فقط من هجوم روسي واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة أسفر عن مقتل ۱٢ شخصاً على الأقل في كييف والمنطقة المحيطة بها.
واستهدفت الضربات منشآت للسكك الحديدية في كييف ومناطق سكنية قرب بوريسبيل ومنشآت حيوية في أوديسا، فيما أعلنت أوكرانيا اعتراض مئات الأهداف الجوية.
لكن خلف أرقام الهجوم تكمن مشكلة أكثر إلحاحاً: مخزونات صواريخ الاعتراض الأوكرانية تتعرض لضغط متزايد.
أزمة «باتريوت» تضع أوروبا أمام اختبار حاسم
اختصرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس جوهر الأزمة لدى وصولها إلى ويكلو:
“المسألة الرئيسية هي الدفاع الجوي. إنهم يفتقرون إلى صواريخ الاعتراض”.
وتضغط بروكسل على الدول الأوروبية التي تمتلك مخزونات من صواريخ الاعتراض، خصوصاً تلك التي تقترب من نهاية عمرها التشغيلي، لإرسالها إلى أوكرانيا بدلاً من بقائها في المستودعات.
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى إسبانيا واليونان، وسط بحث أوروبي عن آليات تسمح بنقل مزيد من صواريخ «باتريوت» إلى كييف، إلى جانب الاستعانة بشركاء خارج الاتحاد الأوروبي.
المشكلة أن روسيا لا تمنح أوروبا وقتاً إضافياً.
فموسكو تكثف استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة المتطورة في هجمات مركبة تهدف إلى إنهاك شبكة الدفاع الجوي الأوكرانية وإغراقها بعدد كبير من الأهداف في وقت واحد.
وحذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من حاجة بلاده إلى نحو ٣٠٠ صاروخ باتريوت اعتراضي استعداداً لفصل الشتاء.
وفي الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة نفسها ضغوطاً على مخزونات «باتريوت»، ما يزيد صعوبة تلبية احتياجات أوكرانيا وحلفائها في آن واحد.
المعركة تتجاوز سماء أوكرانيا
لكن الخطر الذي يناقشه الوزراء الأوروبيون لم يعد محصوراً في الصواريخ التي تسقط على كييف.
تتزايد المخاوف داخل أوروبا من «الحرب الهجينة الروسية»، بما في ذلك التخريب والهجمات السيبرانية والتجسس وعمليات الطائرات المسيّرة ومحاولات استهداف البنية التحتية.
وفي ألمانيا، تصاعدت المخاوف بعد حادثة الطائرات المسيّرة في مطار لايبزيغ/هاله، فيما تستعد برلين، وفق تقارير إعلامية، لربط الحادث بأجهزة استخبارات روسية. وتنفي موسكو هذه الاتهامات.
وتعكس هذه التطورات تحولاً خطيراً في الحسابات الأوروبية:
المواجهة لم تعد بالضرورة تبدأ بدبابة تعبر الحدود؛ فقد تبدأ بهجوم سيبراني أو طائرة مسيّرة أو عملية تخريب غامضة.
ولهذا تخشى الحكومات الأوروبية من أن تكون روسيا تختبر حدود الرد الغربي، من دون الوصول إلى مستوى هجوم عسكري مباشر على دولة عضو في حلف الناتو.
العقوبات تعود إلى الواجهة
وفي موازاة الأسلحة، تستعد بروكسل لتوسيع الضغط الاقتصادي على موسكو.
وتدرس المفوضية الأوروبية إضافة نحو ۱٦٠٠ فرد وكيان إلى قوائم العقوبات، مع تركيز متوقع على المجمع الصناعي العسكري الروسي، إلى جانب جهات مرتبطة بالهجمات السيبرانية والتضليل والعمليات الهجينة.
لكن المعركة المالية أكثر تعقيداً.
فقد دعت هولندا وبولندا وإسبانيا والسويد إلى إعادة فتح النقاش حول استخدام الأصول السيادية الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا.
وتبلغ قيمة الأصول التابعة للبنك المركزي الروسي والمجمدة في أوروبا نحو ٢۱٠ مليارات يورو، بينها نحو ۱٨٥ مليار يورو محتجزة عبر «يوروكلير» في بلجيكا.
وتبقى بلجيكا حذرة إزاء المخاطر القانونية والمالية المترتبة على استخدام هذه الأموال مباشرة.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أقر بالفعل قرض دعم بقيمة ٩٠ مليار يورو لأوكرانيا لعامي ٢٠٢٦ و٢٠٢٧، مع توجيه جزء كبير منه إلى الدفاع والصناعة العسكرية الأوكرانية.
لكن السؤال الأصعب يقترب:
هل تستطيع أوروبا مواصلة تمويل أوكرانيا، وفي الوقت نفسه إعادة بناء مخزوناتها العسكرية المتراجعة؟
ويكلو… حيث تُرسم معادلة الأمن الأوروبي
تستضيف أيرلندا اجتماعات وزراء الدفاع والخارجية باعتبارها تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي لعام ٢٠٢٦.
وتبحث اجتماعات الدفاع دعم أوكرانيا، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وقرض الدعم الأوروبي، وتعبئة «مرفق السلام الأوروبي»، فيما يشارك وزير الدفاع الأوكراني بالوكالة أندري خمارا إلى جانب مسؤولين أوروبيين ومن حلف الناتو.
وتتواصل الاجتماعات مع لقاء وزراء الخارجية الأوروبيين «Gymnich» في ۱ و٢ سبتمبر، وسط نقاش أوسع حول الدور الجيوسياسي لأوروبا وقدرتها على التعامل مع بيئة أمنية تزداد اضطراباً.
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط والقطب الشمالي، تجد أوروبا نفسها أمام ضغوط متزامنة: حرب مفتوحة، حرب هجينة، نقص في مخزونات الأسلحة، وضغوط على الصناعات الدفاعية، وتساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على تلبية احتياجات جميع حلفائها.
المعادلة الأخطر: صاروخ اليوم لا يمكن تعويضه غداً
المشكلة باتت واضحة:
أوكرانيا تحتاج صواريخ اعتراض الآن. أوروبا تملك مخزونات محدودة. روسيا تصعّد هجماتها. وإعادة بناء الترسانات الغربية تحتاج إلى سنوات، لا أسابيع.
يمكن للاتحاد الأوروبي البحث عن صواريخ «باتريوت» إضافية، والضغط على الدول التي تملك مخزونات، والاستعانة بشركاء خارجيين، وتسريع الإنتاج الأوروبي وفرض عقوبات جديدة.
لكن لا شيء من ذلك يستطيع تعويض الصاروخ الذي تحتاجه أوكرانيا هذه الليلة.
وبعد أحدث موجة من الهجمات الروسية، عادت سماء كييف لتذكّر أوروبا بأن الدفاع الجوي الأوكراني ليس مجرد ملف عسكري، بل أحد أهم خطوط الدفاع عن الأمن الأوروبي نفسه.
والسؤال الذي يخيّم على اجتماعات ويكلو يتجاوز حزمة مساعدات جديدة:
هل تستطيع أوروبا تعزيز درع أوكرانيا قبل أن تجد روسيا الثغرة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة واضحة.
لكن شيئاً واحداً يبدو مؤكداً:








