فرنسا على صفيح ساخن: الطلاب والمدرسون والنقابات في مواجهة أزمة التعليم
أزمة التعليم تشعل انتفاضة شبابية في فرنسا، والغضب من عنف الشرطة يوسّع رقعة الاحتجاج
انتفاضة جيل كامل في فرنسا: المدارس تنهار والطلاب يواجهون الشرطة
أكثر من ٢٦٦ ألف متظاهر في أنحاء البلاد… نقص المدرّسين، اكتظاظ الصفوف، مدارس متهالكة ومواجهة متصاعدة بين الطلاب والشرطة
باريس – ٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٦
لم تعد المدارس الفرنسية مجرد ساحات للتعلّم.
لقد تحولت إلى خط المواجهة الأول في انتفاضة وطنية تتسع بسرعة.
ما بدأ في أيلول/سبتمبر بإغلاق عشرات المدارس الثانوية احتجاجاً على نقص المدرّسين، واكتظاظ الصفوف وتدهور المباني، انفجر خلال أسابيع في واحدة من أكبر حركات الاحتجاج الشبابية التي شهدتها فرنسا منذ سنوات.
الثلاثاء، ٦ تشرين الأول/أكتوبر، نزل أكثر من ٢٦٦ ألف شخص إلى الشوارع في أنحاء فرنسا، وفق وزارة الداخلية، بينهم نحو ٥٦ ألفاً في باريس، فيما رفع المنظمون العدد إلى ٤٥٠ ألفاً.
لكن الأرقام لا تختصر المشهد.
خلف المتاريس يقف جيل يشعر بصورة متزايدة بأن نظام التعليم العام يتداعى، وأن الحكومة لا تسمع صوته إلا عندما تمتلئ الشوارع.
الطلاب يطالبون بمدرّسين كافين، وصفوف أقل اكتظاظاً، ومبانٍ صالحة، وجداول دراسية أكثر إنسانية، ومدارس قادرة على مواجهة موجات الحر المتزايدة.
لكن شيئاً آخر أشعل النار.
الشرطة.
من بوابات المدارس إلى معارك الشوارع
بدأت الحركة نحو ٢١ أيلول/سبتمبر في منطقة باريس، قبل أن تنتشر بسرعة عبر شبكات التواصل والتنظيمات الطلابية.
وبحلول الأول من تشرين الأول/أكتوبر، كانت أكثر من ١٠٠٠ مدرسة ثانوية قد تأثرت بالاحتجاجات، فيما أُغلقت مئات المدارس أو حوصرت مداخلها.
ثم جاء الثلاثاء.
“الفصل الثالث” من الحركة، أو Act III، نقل المواجهة إلى مستوى جديد.
استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع في باريس ومدن أخرى، فيما أُوقف نحو ٥٠٠ شخص في يوم واحد. وقالت وزارة الداخلية إن أكثر من ٦٥٠٠ شخص أوقفوا منذ توسع الحركة، وكانت الغالبية الساحقة منهم من القاصرين.
وأصيب نحو ٤٣ شرطياً خلال احتجاجات الثلاثاء وحدها.
لكن الإصابات في صفوف الطلاب والعاملين في التعليم جعلت المواجهة أكثر حساسية.
وقال رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إن ٢١٥ طالباً و٨٥ من العاملين في التعليم أصيبوا، إلى جانب أكثر من ٧٠٠ شرطي، مع تصاعد التوترات.
ثم جاءت الإصابات التي غيّرت طبيعة المعركة السياسية.
في لانس، فقد طالب يبلغ ١٥ عاماً يده بعد انفجار قنبلة شرطية خلال اضطرابات قرب مدرسة ثانوية.
وفي سانت-أوان-لو-أومون، أصيب فتى يبلغ ١٤ عاماً بجروح خطيرة في وجهه بعدما أطلق شرطي قنبلة غاز مسيل للدموع من مسافة قريبة، وفق مراجعة لمنظمة العفو الدولية ومقاطع مصورة انتشرت على نطاق واسع.
وفي تور، أصيب طالب يبلغ ١٦ عاماً بإصابة خطيرة في عينه.
والتحقيقات في سلوك الشرطة لا تزال جارية.
اتهمت منظمة العفو الدولية السلطات الفرنسية باستخدام قوة غير متناسبة، ودعت إلى خفض التصعيد، محذرة من مخاطر استخدام الغاز والهراوات ووسائل التقييد والمقذوفات ضد المتظاهرين الشباب.
لكن الحكومة ترد بأن قوات الأمن تواجه أعمال عنف متزايدة، بينها إحراق ممتلكات، ورشق الشرطة بالمقذوفات، والاعتداءات، وتخريب الممتلكات العامة.
وهنا تحديداً يقع قلب الأزمة الفرنسية:
طلاب يقولون إنهم يحتجون من أجل مستقبلهم، وحكومة تقول إنها تحاول حماية المدارس والمجتمع من العنف.
المعركة بدأت من الصف
ومع ذلك، فإن أصل الانتفاضة أبسط بكثير:
المدرسة.
طلاب في مختلف أنحاء فرنسا يتحدثون عن صفوف مكتظة، ومدرّسين غائبين أو يصعب تعويضهم، ومبانٍ متداعية، وأيام دراسية طويلة تستنزفهم.
كما يوجه المحتجون سهامهم إلى Parcoursup، نظام القبول الجامعي الفرنسي، معتبرين أنه يزيد الضغوط على الشباب ويعمّق الفوارق الاجتماعية في مرحلة حاسمة من حياتهم.
أما وضع المباني المدرسية، فأصبح عنواناً صارخاً للأزمة.
أسقف متسربة، صفوف متضررة، تجهيزات غير كافية ومبانٍ لا تتلاءم مع موجات الحر المتزايدة.
وفي المناطق الأكثر فقراً، تحولت الفجوة بين المدارس إلى رمز لفجوة اجتماعية أكبر.
لهذا السبب لم تعد الحركة مجرد احتجاج طلابي.
ففي شوارع باريس، سار طلاب من الضواحي العمالية إلى جانب طلاب من مدارس مرموقة في العاصمة، وانضم إليهم مدرسون وأهالٍ ونقابيون.
وفي بعض المواقع، شكّل أعضاء النقابات سلاسل بشرية بين الشرطة والطلاب في محاولة لمنع تحول الاحتجاج إلى مواجهة مفتوحة.
النقابات تدخل المعركة
ومع دخول النقابات، اكتسبت الانتفاضة قوة تنظيمية جديدة.
دعمت نقابة CGT الفرنسية تحرك ٦ تشرين الأول/أكتوبر، مستندة إلى مطالب تتعلق بنقص المدرّسين والعاملين، واكتظاظ الصفوف، وتراجع ظروف التعليم، وتهالك المدارس، والقلق المتزايد بين الشباب على مستقبلهم.
كما تدعم النقابة مطالب بإصلاح نظام Parcoursup أو إلغائه.
وهكذا بدأت المعركة تتجاوز جدران المدارس لتدخل في صلب سؤال أكبر:
كم تستطيع فرنسا، وكم تريد، أن تنفق على خدماتها العامة؟
في ظل الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة ومناقشة موازنة ٢٠٢٧، تحولت أزمة التعليم إلى مواجهة حول أولويات الإنفاق العام.
ويطالب الطلاب وحلفاؤهم بحزمة استثمارات طارئة تقدر من جانب منظمات تعليمية بنحو ١٠ مليارات يورو.
باريس تحاول تغيير المسار
بدأت الحكومة تخفف من لهجتها.
بعد أسابيع من التصعيد، دعا لوكورنو الطلاب إلى العودة إلى مدارسهم، واقترح تخصيص فترة مؤقتة للحوار الداخلي، بما في ذلك نصف يوم من النقاش داخل المؤسسات التعليمية حول مطالب الطلاب.
كما تحركت وزارة التربية باتجاه آليات لجمع شكاوى الطلاب ومطالبهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل جاء هذا التحرك متأخراً؟
فالمنظمات الطلابية تدعو بالفعل إلى “الفصل الرابع – Act IV” الخميس ٨ تشرين الأول/أكتوبر، مؤكدة أن يوماً واحداً من الاحتجاج لن يكون كافياً لفرض تغيير حقيقي.
وبذلك، تقترب فرنسا من اختبار جديد خلال ساعات.
انتفاضة أكبر من الصفوف
تراقب الطبقة السياسية الفرنسية المشهد بقلق.
فالاحتجاجات تأتي قبل أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي لحظة تشهد فيها البلاد انقساماً سياسياً عميقاً، وضغوطاً متزايدة على المالية العامة، ونقاشاً حاداً حول حجم الإنفاق الحكومي.
تحاول قوى المعارضة استثمار الغضب الطلابي، بينما تحذر الحكومة من استغلال سياسي لحركة الشباب.
لكن الطلاب يقولون إن مطالبهم سبقت وصول السياسيين إلى الشوارع.
رسالتهم واضحة:
مدرّسون كافون. مدارس صالحة. صفوف قابلة للإدارة. ومستقبل يمكن تصوره.
ثم أضيف مطلب جديد إلى القائمة:
المحاسبة.
فالمواجهة مع الشرطة جعلت قضية التعليم مرتبطة الآن بسؤال أكبر حول حدود استخدام القوة ضد القاصرين والمتظاهرين.
وهذا تحديداً ما يجعل الحركة أصعب في الاحتواء.
يمكن للشرطة إزالة متراس.
ويمكن تفريق مسيرة.
ويمكن لغاز مسيل للدموع أن يتلاشى.
لكن أسباب الغضب لا تتلاشى.
في ٦ تشرين الأول/أكتوبر، وجه طلاب فرنسا رسالة يصعب تجاهلها:
لم يعودوا مستعدين لإبقاء غضبهم داخل جدران المدارس.







